Tuesday, March 20, 2018

نعم للدين في السياسة!! الإنتخابات، بارمن و كايروس ... مدخل صغير جداً للاهوت السياسي

من أولها عشان نكون متفقين
لا سياسة في الدين و لا دين في السياسة ... محمد أنور السادات
طبعاً كلنا عارفين المقولة الشهيرة بتاع "لا سياسة في الدين و لا دين في السياسة"، في التدوينة دي هحاول أقول ليه الجملة دي غلط أو على الأقل الجزء الثاني غلط. و عشان نبتدي من أرضية واحدة، أنا ضد إن الكنيسة/ بطريرك/ أسقف/ كاهن تؤيد أو يؤيد بشكل رسمي أو غير رسمي مرشح سياسي أو حزب. أنا ضد إن الكنيسة/ بطريرك/ أسقف/ كاهن تلمح أو يلمح لمرشح أو حزب بشكل مباشر أو غير مباشر زي ما حصل في وقت الإنتخابات لما إتقال "أنا الرب شفيق". أنا ضد الحكم الديني جداً جداً، خصوصاً لو عن طريق الدين المسيحي. أنا ضد إن أي حد يقول/ تقول إن المرشح فلان جاي للمنصب من الله أو إن ده إختيار إلهي. في التدوينة دي اللي بحاول أوصله هو دور المسيحي في العمل السياسي، ببساطة المسيحي اللي داخل يرشح فلان إزاي يكون مسيحي أمين لما يؤمن به و هو بيرشح فلان. هدفي أنتقد الإزدواجية في رؤيتنا لجوانب الحياة السياسية، الإقتصادية و الإجتماعية إنها في جانب و الإيمان المسيحي في جانب ثاني. حابب أركز على كذا نقطة، أولاً: أنا مش بقول إن فيه إختيار سياسي يشكل المسيحية بكل جوانبها، إحنا مش بنختار قديسيين للبرلمان/ رئاسة، ثانياً: أنا بقر إن إختياراتي السياسية ممكن تكون غلط، لكن على الأقل لازم يكون إختيارتنا متسقة مع ما نؤمن به، متسقة مع منظومة تفكيرنا مش معصومة، ثالثاً: الأهم من الإختيار هو نوعية المنطق اللي بيقود للإختيار المعين، مش مهم تختار مين، لكن الأهم ليه إخترت فلان. في التدوينة دي هعرض تجربتين مسيحيتين بيتكلموا عن موقف كنائس مسيحية في قضايا سياسية، التجربتين مختلفين خالص عن الواقع المصري، لكن ملهمين و يساعدونا كمسيحيين إزاي نتصرف في واقعنا. طبعاً مش محتاج أقول التجارب مش حلوة بشكل مطلق و لا وحشة في المطلق، دي محاولات بنتعلم منها و بنشوف إزاي اللاهوت يقدر يتفاعل مع السياسية و نحللها و ننقدها. طبعاً مينفعش إننا نكرر التجارب دي زي ما هي و ننقلها قص و لزق على واقعنا، لإن التجارب دي سياقها أصلاً مختلف خالص عن السياق المصري، التجربة الأولى في دولة تحت الإحتلال و الثانية في دول غالبية سكانها مسيحيين. التدوينة دي مش هدفها تكون حاجة نظرية فقط و لا سرد معلومات، على العكس هدفها توضح إزاي إن المسيحية تقدر تقدم حاجة حقيقة و مختلفة للعالم الحالي، مش إجابات و لكن مسار أو طريق لتحقيق ملكوت الله على الأرض 
أؤمن بأن العمل على جعل العالم أن يصبح على شاكلة المسيح بدلاً من جعله مسيحياً، سيجعل العالم أكثر إنسانية و يجعله يحقق الصورة التي خلقها الله عليها ... الأب دوجلاس ماي
إن مسألة الخبز لي هي مسألة مادية، و لكن مسألة الخبز لجاري، و لأي إنسان هي مسألة روحية و دينية. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، و لكنه يعيش بالخبز، و ينبغي أن يكون هناك خبز للجميع. على المجتمع أن ينتظم بطريقة تؤمّن الخبز للجميع، و بعد ذلك تطرح المسألة الروحية نفسها على الناس بكل ما فيها من عمق ... برديايف
يعني إيه لاهوت سياسي؟
فاللاهوت هو مساعد، مساند في الصراع، ليس هدف في حد ذاته ... اللاهوتي اللوثري ديترتش بنهوفر
علم اللاهوت المسيحي هو العلم اللي بنتكلم فيه عن الله، طبيعته، تدبير الخلاص، .. إلخ في المسيحية. اللاهوت السياسي ببساطة هو تحليل و نقد للنظم السياسية (إجتماعية، إقتصادية، حضارية ... إلخ)، من وجهة نظر التفسيرات المختلفة لتعامل الله مع البشرية. أو ببساطة اللاهوتي المسيحي وظيفته في المجتمع أنه يكون لاهوت نبوي، يعني يعمل زي النبي اللي بيخاطب شعب الله و بيحاول يفهمهم إن الفعل ده خطية. عشان أوضح المسيحية مفيهاش نظام حكم معين جاء من الله، يعني مثلا المسيحية لا بتشجع حزب معين لكن لو فرضنا إن فيه إنسان مسيحي قدامه إختيارين بين حزبين، نفترض مثلاً إن حزب منهم بيعطي إمتياز لجنس/ لدين/ للون معين و الثاني عكسه بيساوي بين البشر بكل الأجناس. اللاهوت السياسي المسيحي هو محاولة مسيحية لتطبيق الإنجيل و ملكوت الله في الواقع السياسي، و بما أننا مخلوقين على صورة الله، معنى كده البشر جميعاً متساويين، فحتى لو الصالح العام بيقول مثلاً نفرق أو نعامل دين معين بطريقة معينة، أو جنس معين بطريقة معينة، فالمسيحية بتميل للنظام اللي بيحترم البشر كلهم و بيساوي بينهم، يعني فيه إختلاف بين اللاهوت السياسي و اللاهوت العقيدي، اللاهوت العقيدي ده ملزم للكنيسة، بيعبر عن هويتها و إيمانها. اللاهوت السياسي ده محاولة للتعامل مع الظروف السياسية و الإقتصادية بناءً على فهم الكنيسة لطبيعة الله و الإنجيل، ممكن الفهم ده يبقى غلط و ممكن يبقى صح، هو محاولة لتطبيق الإيمان المسيحي في الواقع السياسي، المحاولة بيتغير من مكان لمكان و من زمان لزمان و من بلد لبلد و من مشاكل لمشاكل. دور المسيحي أنه يقرأ الواقع صح و يحاول على ما يقدر أنه يعلن ملكوت الله في السياق بتاعه. يعني بإختصار اللاهوت العقيدي هو الأساس اللي بيتبني عليه اللاهوت السياسي. أي سياسة في العالم وراها قناعات معينة فلسفية أو لاهوتية، يعني مثلاً هتلر حرق المعاقين ذهنياً، هل ده فعل سياسي بس؟ لا وراه أيدولوجية أو فلسفة معينة، و هي إنهم ملهومش فائدة في المجتمع! مش بينتجوا! و لو مش بينتجوا يتحرقوا لأنهم عبء على الدولة! لو أنت مسيحي و مؤمن إن الإنسان مخلوق على صورة الله و مثالة، و قيمته مش مُستمده من رأيك، أو إنتاجة في المجتمع، أو نجاحة في الشغل، أو حتى الفلوس، هترفض الفعل ده. طبعاً دلوقتي الفعل ده مرفوض بعد التطور و التحضر لكن أنا بتكلم لو أنت مسيحي في وقت هتلر قدامك طريقتين للتفكير، الأولى: مش بينتج فيتحرق، و الثانية: مخلوق على صورة الله فترفض ده. اللي عاوز أقوله اللاهوت السياسي هو فرع من فروع اللاهوت اللي بيخليك تطبق إيمانك في الواقع بتاعك في السياسة تحديداً، يعني زي ما أنتي/ أنت مؤمن إيمان مستقيم (أرثوذكسيا)، لازم يكون فيه تطبيق و سلوك مستقيم (أرثوبراكسيا)، بتعبير اللاهوتي بول إفدوكيموف الإنفصال اللي بين العمل و التأمل ده وهم، الأثنين مرتبطين ببعض و بيعبروا عن بعض
إننا نحتاج للاهوت إيجابي يتعلق بصنع السلام ... غلن ه. ستاسن و دايفيد د. غوتشي
كايروس فلسطين
الله أصبح لاجئاً يا سيدي، ... ، و بع الكنيسة فهي من أملاكه ... ريم بنا مطربة فلسطيني
لا نقاوم بالموت بل بإحترام الحياة ... كايروس فلسطين
في عام ٢٠٠٩ إجتمع ممثلين من جميع الطوائف المسيحية سواء الأقباط، الروم، اللاتين، السريان، الأحباش، اللوثرية، الأسقفية، الأرمن في فلسطين، كتبوا وثيقة مهمة جداً اسمها "كايروس: كلمة إيمان و رجاء و محبة من قلب المعاناة الفلسطينية". كلمة "كايروس" معناها ببساطة "وقفة حق" أو "الوقت المناسب"، الهدف من الوثيقة دي هو التعبير المسيحي عن القضية الفلسطينية. الوثيقة بتتكلم عن "الإحتلال الفلسطيني و الوصول لحل للنزاع". الوثيقة دي مش الأولى، ظهر قبلها وثائق ثانية زي كايروس جنوب أفريقيا -كان نفسي نتكلم عنها بس المساحة مش هتسمح للأسف- و غيرها لكن أهميتها إنها وثيقة بتعبر عن صوت الأضعف و الأقلية الدينية. الوثيقة بتبدأ بتعريف اللي كتبوا الوثيقة دي هم مجموعة من المسيحيين الفلسطينيين اللي تحت الإحتلال الإسرائلي. الوثيقة بتتكلم عن المآسي اللي بيواجهها الشعب الفلسطيني من عدم وجود حرية دينية، الأراضي الفلسطينية بتُنهب، اللاجئون بقوا جزء من واقع الشعب الفلسطيني، الأسرى "ألوف".في وسط الوضع الصعب ده ده الوثيقة بتعلن إيمانها بالله الواحد الصالح و العادل، و إن الله خلق البشر على صورته و مثاله، و بكده كرامة البشر من "كرامته تعالى"، الله الخالق خلقنا عشان "نتحاب و نبنيها معاً بمحبتنا و بالاحترام"، ثاني حاجة بتعلن الوثيقة إيمانها بالابن كلمة الله الأزلي و الروح القدس. بتتكلم الوثيقة عن إن إزاي بعض الناس في الغرب -و في الشرق للأسف- بيخلوا الظلم اللي بيحصل من الجانب الإسرائيلي له شرعية و بكده بيحولوا البشرى السارة أو الإنجيل إلى "نذير موت"، و ده يوضح إزاي إننا لما بنفسر الكتاب المقدس بطريقة خاطئة ممكن نحول حياة بشر لجحيم حرفي. و بتتكلم الوثيقة إزاي إن "الإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية هو خطيئة ضد الله و ضد الإنسانفالخطيئة مش مجرد الزنى و السرقة لكنها أخذ أرض مش من حقك، و ده يرجعنا لفكرة ترابط السياسية باللاهوت. الوثيقة واقعية جداً و مدركة إن فيه غياب لأي "بارقة أمل"، لكنها بتراهن على صلاح الله، و بتعلن في عبارة رائعة "[الله] سوف ينتصر صلاحه يوماً على الشر الذي نحن فيه"، الرجاء زي ما الوثيقة بتكرر، هو إيمان بالله، تطلع لمستقبل أفضل فيه إنتصار للحق، و آخر عنصر هو واقعي، مش أوهام. الوثيقة بتأكد إن رسالة الكنيسة هي "رسالة نبوية"، الكنيسة المفروض "تتحيز للمظلوم و تقف بجانبه"، رسالة الكنيسة هي برضو ملكوت الله، ملكوت العدل و السلام و الكرامة، الملكوت ده مينفعش يؤيد "لأي نظام سياسي ظالم"، لأنه أكبر من أن "يحده نظام سياسي" معين. فيه نقطة مهمة جداً في الوثيقة دي و هي المقارنة بين "ثقافة المحبة" ضد "ثقافة الموت"، الكنيسة الفلسطينية عاشت ظروف قلسية و لكن الظروف دي مخلتهاش تفقد هويتها أو إسلوبها المسيحي، لكن "تصقل إيمانها" و تبينت "دعوتها بصورة أوضح"، و رسالتها بتعلنها "نحن نحمل اليوم قوة المحبة بدل قوة الإنتقام و ثقافة الحياة بدل ثقافة الموت"، فقيامة الناصري بالنسبة لكنيسة فلسطين هي "أساس رجائنا". الوثيقة بتتكلم عن وصية المحبة، طبعاً مش بالطريقة اللزجة بتاعتنا لكن بتتكلم عنها بكونها فعلاً محاطة بمحتل و عدو للدولة الفلسطينية، بتقول "المحبة هي رؤيتنا "وجه الله في كل إنسان. كل إنسان أخي و أختي، و لكن رؤية وجه الله في كل إنسان لا تعني قبول الشر أو الاعتداء من قِبله، بل تقوم المحبة بإصلاح الشر و وقف الإعتداء"، الإحتلال بيتوصف إنه "شر و خطيئة يجب مقاومتها و إزالتها"، الطريقة اللي بتتبناها الوثيقة هي طريق يسوع المسيح و هي طريق "اللاعنف"، بتقول "إما دائرة عنف نهلك فيها معاً [الفلسطينيين و الإسرائليين]، و إما سلام ننعم به سويةً"، الوثيقة بتتكلم عن مبداً السينرجيا أو التعاون بين الله و الإنسان، بتقول "في الوقت نفسه نعمل. معه تعالى و بحسب مشيئته الإلهية"، الوثيقة بتتكلم عن نوعية خطايا ثانية و بيدعو إن يتقدم توبه عنهم "توبة عن الصمت، عن اللامبالاة، و عن عدم المشاركة"، الجميل في الوثيقة دي إنها بتكسر الدائرة اللي دايملاً بنلاقيها و هي لما بنلاقي الضحية بقى الجلاد، الوثيقة بتعلن مع إنها من ضحية بترفض "كل أشكال العنصرية، الدينية منها و العرقية، بما فيها معاداة للسامية، و كراهية المسلمين (الإسلاموفوبيا)"، و بنتنهي و هي بتكررنفس الحقيقة اللي بدأت بها و هي إن الله هو صالح و عادل

نتعلم إيه من الوثيقة دي؟ طبعاً تقدر تتعلم كثير خصوصاً لو قريتي/ قريت الوثيقة كلها، لكن النقط المهمة من وجهة نظري هي إن إزاي الواحد يلتزم بالتعليم المسيحي في وسط الألم و الظلم، إزاي يفضل أمين لرسالة الإنجيل، و ميبررش أفعاله السياسية الخاطئة،  مش لازم إعلان الحق يغير الواقع بس على الأقل يكفي إنك تعلن عن إيمانك حتى لو الواقع أسوأ من أنه يتغير، أحياناً الظروف السياسية و الإقتصادية بتكون صعبة جداً لكن إيماننا المفروض يصمد للنهاية 
فالمرء لا يصلي فقط و لكن يتحول لصلاة ... اللاهوتي بول أفدوكيموف
إعلان بارمن
كل أفعالنا هي إعتراف [إيمان] ... اللاهوتي مارتن لوثر
إعلان بارمن هو إعلان ظهر بين الكنايس اللي إجتمعت في مدينة بارمن في ألمانيا سنة  ١٩٣٤، ضد "المسيحيين الألمان" اللي نادوا بمبدأين رئيسين الأول "عداء تجاه اليهود" و الثاني "كلام القائد بالنسبة ليهم كان حاجة غير قابله للنقاش"، البيان ده كتبه اللاهوتي كارل بارث. البيان صغير جداً، مكتوب بطريقة غير مباشرة، عبارة عن ٦ بنود، كل بند مكون من إقتباس من الكتاب المقدس و عبارتين واحدة بتوضح إيه الإيمان و الثانية بتعلن رفضها "للعقيدة الفاسدة". طبعاً البيان ده ظهر في بلد مسيحية، و الحوار بين مسيحيين مسيحيين يعني السياق بتاعهم غير سياقنا و ظروفهم مختلفة، لكننا نقدر نتعلم منه. أهم البنود هي، بند ٢ اللي بيقول "يسوع المسيح هو إعلان الله المعزي لغفران خطايانا، و لذلك و بنفس الجدية، فهو إعلان الله القوي على كل حياتنا"، يسوع المسيح حسب البند ده مش مجد إله في الكنيسة و لكنه رب و سيد على كل جوانب حياتنا، مينفعش نعيش مسيحيين في الكنيسة و في السياسة/ المجتمع/ الإقتصاد/ الإدارة نعيش غير مسيحيين. و ده اللي بتأكده بصيغة النفي في نفس البند و بتقول "نرفض العقيدة الفاسدة أن هناك جوانب في حياتنا و التي لا ننتمي فيها ليسوع المسيح و لكن لأرباب آخريين". بند ٤ بيعلن إن وظيفة الكنيسة هي خدمة المجتمع كله، مش إنها تمارس سلطان على الآخريين، و بتعلن رفض "للعقيدة الفاسدة" و هي إن الكنيسة تسمح إنها تُعطي لنفسها، أو تقبل إنها تأخذ "قادة [سياسيين] إستثنائيين إكتسبوا سلطة حاكمة". بند ٥ بيتكلم عن دور الدولة و الكنيسة و علاقتهم ببعض، الدولة دورها "الحفاظ على العدل و السلام"، الكنيسة بلتفت إنتباهنا "لملكوت الله"، البيان بيرفض إن الدولة "فقط" تكون "النظام الوحيد و الشامل لحياة الإنسان"، و بترفض إن الكنيسة تأخذ "طبيعة، وظائف، و كرامة الدولة، و بذلك تتحول لعضو في الدولة". دي أهم النقاط من وجهة نظري

 نتعلم إيه من الوثيقة دي؟ أعتقد من أهم النقاط في إقرار بارمن هو إنه بيعلن الحق بحكمة و بطريقة غير مباشرة أمام أكثر الطغاة اللي جاءوا في التاريخ الإنساني، الفكرة إن مش لازم نحط نفسنا في إختيار يا الآمان و السكوت من جانب ويا الحق و العنف، فيه طريق ثالث، إننا نقول اللي مؤمنين به أمام الطغاة السياسين و لكن بحكمة

أنا كمسيحي استفدت إيه؟
الجمال سوف يخلص العالم ... دوستويفسكي
ما هو دور الكنيسة في وقت الأزمة؟ ... ولفجانج هوبر
أنا حاولت أقدم تفاعلات لكنائس مختلفة تجاه قضايا سياسية مختلفة، أتمنى كل شخص مسيحي يفكر فيهم و يحاول يتفاعل مع الظروف الخاصة بالسياق المصري، لو المسيحيين عايزين يبقوا أمناء للتراث المسيحي اللي موجود في الشرق و الغرب، لازم يتحركوا و يقدموا البشارة المفرحة/الإنجيل للعالم. البشارة المفرحة/الإنجيل مش مجرد أنك تيجي الكنيسة يوم الأحد أو الجمعة! البشارة المفرحة/الإنجيل ببساطة هي تحرير من كل القيود سواء الروحية و الإجتماعية و السياسية، أنا مش بتكلم إن المسيحية بتوعدك برخاء مادي خالص! أنا بتكلم عن إن دور المسيحي ميساهمش في إستعباد و إستغلال لبعض الناس عشان مصلحة حزب/مرشح سياسي. التحرير في المسيحية مش فلوس و لا سلطة لكن إحترام لصورة الله داخل كل إنسان. لو أخذنا مثال المسيحيين في إستراليا اتجمعوا و صاموا و صلوا عشان يقفوا ضد زواج المثليين. السؤال بقى هل كانوا هيعملوا كده لو كان عن تصويت حقوق غير المسيحيين في أي موضوع تاني ؟! أشك طبعاً!! سهل جداً تقف قدام المثلية الجنسية بناء على نص ديني، طيب نصوص العهد القديم و الجديد اللي بتتكلم عن المظلومين و المهمشين و اللي ملهومش حد!! إشمعنا بندافع عن الأخلاقيات الجنسية فقط و كأن العالم كله مفيهوش مشاكل غير جنس!! طيب و الفقر و الظلم، و الحبس الإحطياتي، و التمييز العنصري و العرقي، و غيره و غيره، هل المسيحي هيسكت؟! هل لما الأقباط رشحوا ترامب عشان بس يقفوا قدام هيلاري و يواجهوا الأخوان الوحشين، هل وافقوا على تصريحاته تجاه أعراق أو جنسيات ثانية!! هل هما كده متسقين مع لاهوتهم و إلههم المحب اللي بيقولوا عليه صبح و ليل!! مش غلط إنك تختار مرشح معين، لكن المشكلة إنك يكون عندك شيزوفزينيا لاهوتية، عادي تختار اللي أنت عاوزة بس المهم تكون متسق مع نفسك. يا تنادي بالعدل للناس كلها و تعلن مسيحيتك يا بلاش. اللي كنت عاوز أقوله في التدوينة دي هو إحنا كمسيحيين مش في ايدينا كل حاجة، عارف القيود اللي علينا بحكم إننا أقليه في بعض الدول، و حتى القيور لأن فيه شر في العالم، و فيه قيود أكبر مننا بمراحل، بس على الأقل نعلن مسيحيتنا المختلفة عن العالم، نعلم مسيحيتنا في وقت الأزمة و المحنة. التاريخ بيعدي و كل اللي إحنا ككنيسة مصرية بنقدمة هو تعليم أخلاقي موجود عن أي إنسان، هل المسيحية هي بس لا تزني و لا تقتل؟!! المسيحية حسب فهمي بتدي رؤيا متماسكة للحياة و الإنسان، بتقدم حياة للعالم ضد الموت اللي بيقدمه العالم، المسيحية بتقدم سلام ضد عنف العالم، المسيحية بتقول إنها ضد أي قيصر شايف إنجيله حق و انجيله هو ضد المسيح، المسيحية بتعلن إنها ضد الظلم الإقتصادي، السياسي، الإجتماعي مش عشان بتوعد برخاء أو عطايا مادية، لأ طبعاً، حسب فهمي للمسيحية أعتقد إنها مش بتديلك عطايا مادية أصلاً، لكن المسيحية بتقدم عقيدتين بالنسبة للواقع تبان غريبة! المسيحية بتراهن على الإنسان و بتقوله في وسط القرف ده إنه جميل و إنه بيحمل ملامح الله أو صورة الله و مثالة، الثانية الله محب البشر (الفيلانثروبوسو بحسب تعبير اللاهوتي نيكولاس كاباسيلاس) و بسبب الحب ده الله تجسد و الإنسانية دخلت حضن الثالوث، بتعبير سيرجيوس برجاكوف نقدر نتكلم عن "إنسانية الله" و القيمة اللي حصلت في تجسد و موت و قيامة يسوع الناصري للإنسانية ككل. المسيحية بتعلن يسوع رب و سيد و قيصر حقيقي على كل نواحي الحياة، بتعلن ملكوت الله و سنة الله المقبولة، سنة العتق و الحرية لكل إنسان. أرجوك أو أرجوكي و أنت/ أنتي بتأيدوا موقف سياسي معين خليكم متمسكين بحقيقة أن يسوع رب على كل نواحي الحياة. في النهاية ممكن الظروف تبقى صعبة، و الوضع السياسي يكون مستحيل فيه التغيير، لكن في النهاية دورنا كمسيحيين نبقى أمناء لإيماننا، ممكن يبقى الوضع صعب لدرجة إننا آخر حاجة نقدر عليها هي إننا نتكلم بشكل غير مباشر، لكن في النهاية على الأقل نشهد لإيماننا قدام نفسنا و قدام أولادنا. يمكن لو ظروفهم إختلفت يبقوا حاجة أفضل، كارل بارث قال "إجابتنا للإضطراب السياسي هو القيام باللاهوت، و لا شيء إلا اللاهوت، من الممكن أن تكون نبرتنا مرتفعة قليلاً و لكن لا شيء إلا اللاهوت"، يمكن أحياناً آخرنا كلام بس يمكن الكلام ده يفرق في جيل جاي قدام.
 واذا كنت لوحدى دلوقت، بكره مع الوقت، حتزور الزنزانه دى اجيال، واكيد فيه جيل، اوصافه غير نفس الأوصاف ان شاف يوعى، وان وعى ما يخاف، أنتم الخونه حتى لو خانى ظنى، خد مفاتيح سجنك وياك واترك لى وطنى، وطنى غير وطنك... لعبد الرحمن الابنود

طيب لو لبسنا في الحيط و لبسنا غيرنا نعمل إيه؟ 
إخترناك و بايعناك و عشان كده إحنا إخترناك ... أغنية وطنية لزجة
هل لو كمسيحيين موجودين في مكان محدد و زمن محدد ممكن نختار غلط و ناس ضحايا تتظلم أو حتى تموت بناءً على فهمنا للمسيحية و و تفكيرنا و إستخدامنا للاهوت السياسي؟! آه طبعا!!! إحنا إختيارتنا محدودة بقدراتنا المحدودة، كلنا بنحاول نسعى للحق لكن محدش بيحتكر الحق. طيب نعمل إيه؟! نتوب، التوبة أو الميتانيا معناها هي تغيير إتجاه الذهن، لو الخطية إخطاء للهدف و الهدف هو ملكوت الله يبقى التوبة تحديد الهدف مرة ثانية. هي إعادة البوصلة عشان تبص على ملكوت الله. الخطية مش مجرد الغش و القتل و الزني .. إلخ. ده جانب ضيق أوي للخطية، الخطية مش مجرد فعل بشري فردي خاص بينا، الخطية حسب المفهوم المسيحي هي مرض بيصيب البشر ككل، فيه "خطية مجتمعية" لما المجتمع كله بيكون مشارك فيها و يدافع عن مفاهيم مغلوطة و تتحول المفاهيم دي لأسس، فيه خطية لما بنلتزم الحياد وقت ما المفروض كمسيحيين نقف بجانب المظلوم و المهمش و الضحية أو بتعبير لاهوت التحرير "اللاشخص". يمكن جمال فكرة التوبة في المسيحية هو إعادة البوصلة، إقرار بالمرض و الذنب، نقد ذاتي، دعوة للتجديد الذهن و الشفاء مش مجرد عفو إلهي، لكنه شفاء و تجديد و مصالحة مع الله و الخليقة ككل بيتم من خلال الإتحاد بالمسيح يسوع اللي هو الدكتور الحقيقي للكيان الإنساني. اللي عاوز أقوله إننا بنحاول على قد فهمنا للإنجيل و اللاهوت المسيحي إننا ندخل الواقع السياسي، بنسعى إننا نغيره بآليات مسيحية و أهداف مسيحية، ده مش معناه عصمة لأشخاصنا، لكن معناه إننا دايماً على إستعداد اننا نتوب لو إختيارنا طلع خطأ، و نقر بده قدام الله، العالم و الكنيسة. و بكده بقينا أمناء في كل نواحي حياتنا و مسيحيين حقيقين مش بس في الجانب الروحي و لكن في الجانب السياسي كمان
إن خطايا المسيحيين، خطايا الكنائس التاريخية، كانت عظيمة جداً، و هذه الخطايا: خيانة عهد المسيح، و استعمال الكنيسة لدعم الطبقة الحاكمة، حملت عقابها معها. و مهما أخذنا الضعف البشري في عين الإعتبار، لا يمكننا أن نتجاهل الهوة التي فصلت المسيحية عن الرازحين تحت نير الألم. فبسبب هذه الخيانة انحرفت الكنيسة ... برديايف
الصورة
في يسوع المسيح ليس هناك إنفصال بين الإنسان و الله، أو الله و الإنسان ... اللاهوتي كارل بارث
ده إحدى شعارات وثيقة بارمان، فيها الصليب المعقوف (رمز النازية) معمول عليه علامة غلط، و الصليب المسيحي بيظهر و ده معناه إعتراض على الطغيان النازي، و على أي محاولة من الدولة النازية على إنها تأخذ محل الله و تسيطر على الكنيسة. و النار اللي تحت الصليب بتعبر عن العذاب و الموت اللي هيظهر نتيجة الدفاع عن الإيمان ضد الطغيان و اللي واجهه بعض اللاهوتيين اللي مضوا على إقرار بارمان، لكن الصليب في النهاية هيعبر الإضطهاد، أزمة الحرب، هيقوم من اللهيب

ملحوظة: اللي قدمته في التدوينه دي قطرة في موضوع اللاهوت السياسي و الإسهامات كبيرة جداً، دي مجد دعوة للبحث

المراجع

١- The Blackwell Companion to Political Theology, edited by, Peter Scott and William T. Cavanaugh

٢- What can the Barmen declaration teach us today? Robert A. Cathey

٣- Biblical Perspectives on forgiveness. W. R. Domeris

٤- أخلاقيات الملكوت: إتباع يسوع بأسلوب معاصر، غلن ه. ستاسن، و دايفيد ب. غوشي

٥- The end of time? The provocation of talking about God, Joseph Cardinal Ratzinger, John Baptist Metz, Jüryen Moltmann, Eveline Goodman-Thau

٦- The Barmen declaration and the Kairos document: on the relationship between confession and politics, Wolfgang Huber

٧- The humanity of God, Karl Barth

٨- The Barmen theological declaration, a new translation, Douglas S. Bax

٩- لاهوت التحرير الأرثوذكسي: النموذج الروسي، الأب سامي حلاق اليسوعي

١٠- The Kairos Palestine Document

١١- لاهوت التحرير: التاريخ و السياسة و الخلاص، جوستاڤو جوتييرث الدومينيكاني

 ١٢- وقفة حق، كلمة إيمان و رجاء و محبة من قلب المعاناة الفلسطينية

2 comments: